نجاح بلا شعور.. مفارقة العصر الحديث

د مروة طرطور 

كلما أنجز الإنسان أكثر؛ قلّ إحساسه بما أنجزه، ولم يعد السؤال اليوم: لماذا لا ننجح؟ بل أصبح: لماذا لا نشعر بالنجاح أصلًا؟

كثيرون يحققون أهدافًا كانوا يرونها بعيدة أو صعبة، لكن لحظة الوصول لا تحمل ما كانوا يتوقعونه من رضا أو سعادة، ولا شعور واضح بالإنجاز، ولا توقف حقيقي للاحتفاء بما تحقق، فقط انتقال سريع إلى هدف جديد، وكأن ما تم إنجازه لم يكن كافيًا من البداية.

رغم أن العصر الحالي يفتح أبوابًا واسعة للفرص، ويجعل التعلم والتطور أسهل من أي وقت مضى، إلا أنه خلق في المقابل حالة من السباق المستمر.

الإنسان أصبح أكثر قدرة على الإنجاز، لكنه أقل قدرة على التوقف والشعور به.

المشكلة ليست في نقص النجاح، بل في طريقة رؤيته وتقييمه، ولم يعد الفرد يقيس تقدمه بما حققه بالفعل، بل بما لم يحققه بعد، ومع كل خطوة للأمام، تتوسع قائمة الأهداف وتزداد الضغط بدل أن تمنح شعورًا بالرضا.

هذا يرتبط أيضًا بسلوكيات شائعة في العصر الحديث، مثل المقارنة المستمرة بالآخرين، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تبدو إنجازات الآخرين أكثر سرعة وبريقًا. ومع هذا القياس الدائم، يتراجع الإحساس بالقيمة الذاتية لما نحققه.

زهناك سلوكيات أخرى تعمّق هذه الفجوة، مثل الانتقال السريع من هدف إلى آخر دون توقف، أو التقليل من أهمية النجاحات الصغيرة، أو ربط قيمة الإنسان بما ينجزه فقط، وكأن التوقف أو الراحة نوع من التقصير.

النتيجة أن كثيرين يعيشون ما يمكن تسميته بـ «الإنجاز بلا إحساس»، فكل شيء يتحقق على أرض الواقع، لكن داخليًا لا يترك أثرًا حقيقيًا، وتتحول الحياة إلى دائرة متكررة، هدف يتحقق، شعور مؤقت، فراغ، ثم هدف جديد، وهكذا دون توقف.

الخروج من هذه الدائرة لا يعني تقليل الطموح، بل إعادة بناء العلاقة مع الإنجاز نفسه، والتوقف بعد كل خطوة، حتى لو كان بسيطًا، يمنح العقل فرصة لاستيعاب ما حدث، كما أن إعادة تعريف النجاح ليشمل الشعور وليس النتيجة فقط، يساعد على استعادة التوازن.

كذلك، تقليل المقارنة بالآخرين، وإدراك أن لكل شخص مساره المختلف، يخفف من الضغط المستمر، والأهم هو الفصل بين قيمة الإنسان وبين حجم إنجازاته.

في النهاية مقالي، المشكلة ليست أننا لا ننجح، بل أننا لم نعد نمنح أنفسنا فرصة لنشعر أننا نجحنا، وفي عالم يركض دائمًا نحو المزيد، يصبح «الاكتفاء» مهارة نادرة، لكنها ضرورية، والإنجاز الحقيقي ليس في الوصول فقط، بل في القدرة على أن تشعر أنك وصلت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى