الغربة وسط الأقربين.. حين لا يجد الإنسان من يفهمه

د. مروة طرطور
قد يجلس الإنسان وسط أسرته، يشاركهم الحديث والضحكات، ثم ينفرد بنفسه وهو يشعر بغربة لا يعرف كيف يفسرها. فليس كل من يحيطون بنا قادرين على فهمنا، وليست الغربة دائمًا أن نبتعد عن الوطن والأهل، بل قد تكون أن نعيش بينهم ولا نجد من يستمع إلينا بصدق.
تبدأ هذه الغربة حين نتحدث عما يؤلمنا، فلا نجد سوى التقليل من مشاعرنا أو تقديم النصائح قبل أن ينتهي حديثنا. ومع تكرار المواقف، نتوقف عن الشرح، ليس لأننا لم نعد بحاجة إلى من يفهمنا، بل لأننا تعبنا من محاولة إيصال ما نشعر به.
فالعلاقات لا تُقاس بكثرة الأشخاص، وإنما بمدى ما تمنحنا إياه من أمان واحتواء. فقد يعرف الإنسان عشرات الأشخاص، لكنه يفتقد شخصًا واحدًا يستطيع أن يتحدث أمامه دون خوف من السخرية أو الحكم عليه، فالقرب الحقيقي لا يعني الاتفاق في كل شيء، بل احترام الاختلاف وتقدير المشاعر.
وفي بعض العلاقات، يعتاد الإنسان أن يؤدي الدور الذي ينتظره الآخرون منه، فيبدو قويًا حين يتعب، ومتسامحًا حين يتأذى، وموجودًا للجميع حين يحتاجون إليه، لكنه لا يجد من يسأله عما يحتاج إليه هو، ومع الوقت، يتحول إخفاء المشاعر إلى عبء يضاعف إحساسه بالوحدة.
ومع ذلك، ليس كل اختلاف رفضًا، ولا كل صمت دليلًا على غياب الاهتمام، فقد يعجز الآخرون عن فهم احتياجاتنا أو التعبير عن مشاعرهم بالطريقة التي ننتظرها، وهنا تأتي أهمية الحوار الواضح، والتعبير عن الألم دون اتهام، مع الانتباه إلى السلوك المتكرر وعدم تبرير الأذى المستمر.
واستعادة الشعور بالانتماء تبدأ بالبحث عن علاقات أكثر صدقًا، والتعبير عن احتياجاتنا بوضوح، ووضع حدود تحمي كرامتنا، دون أن ننسحب من الجميع أو نجعل رضا الآخرين مقياسًا لقيمتنا، فليس مطلوبًا أن يفهمنا كل الناس، وإنما أن نجد بينهم من يحاول فهمنا ويحترم حقيقتنا.
فأصعب أنواع الغربة أن تضطر إلى إخفاء نفسك حتى تحافظ على مكانك بين الآخرين، وأجمل شعور أن تجد من يقبلك دون أن تطلب منه أن يفهم كل تفاصيلك، بل أن يمنحك فرصة لتكون نفسك دون خوف أو تبرير، لأن الانتماء الحقيقي ليس أن تكون حاضرًا في حياة الآخرين فحسب، بل أن تشعر بأن لك بينهم مكانًا لا تحتاج فيه إلى إنكار ذاتك كي تبقى.




