خير اجناد الأرض للكاتب محمود عمر هاشم مولد مرجع عسكري عالمي جديد من مصر إلى جانب فن الحرب الصيني

من أحمس وهزيمة الهكسوس إلى عين جالوت ونصر أكتوبر ودحر الإرهاب في سيناء.. محمود عمر هاشم يقدم مشروعًا يجمع التخطيط العسكري والتوثيق العالمي والدروس المستفادة من المعارك في مرجع واحد
في مشروع ثقافي وتاريخي ذي طموح عالمي، يستعد الكاتب والإعلامي محمود عمر هاشم لطرح كتابه الجديد «خير أجناد الأرض.. الجيش المصري تاريخ حافل بالبطولات الخارقة والموثقة عالميًا»، الذي يسعى إلى تقديم نموذج مختلف في كتابة التاريخ العسكري، من خلال الجمع بين التوثيق العسكري والأكاديمي والفني والأدبي والتحليل الاستراتيجي والدروس المستفادة من كل معركة.
ويقوم المشروع على رؤية تتجاوز تسجيل الأحداث والبطولات إلى إعادة قراءة المعركة باعتبارها منظومة متكاملة من التخطيط والقيادة والعمليات والقرار والنتيجة، مع تخصيص دراسة مستقلة لكل معركة بحسب ظروفها التاريخية والعسكرية.
من «فن الحرب» الصيني إلى مرجع مصري جديد
ظل كتاب «فن الحرب» المنسوب إلى سون تزو أحد أشهر النصوص الكلاسيكية في الفكر العسكري، ويضم في صورته المتداولة 13 فصلًا تتناول موضوعات من بينها التخطيط، وإدارة الحرب، والمناورة، والأرض، ونقاط القوة والضعف، والاستخبارات.
أما «خير أجناد الأرض» فيطرح مسارًا مختلفًا؛ فبدل أن يركز أساسًا على المبادئ النظرية للحرب، يسعى إلى بناء دراسات تطبيقية متتابعة لمعـارك محددة، تمتد عبر آلاف السنين.
ومن هنا تأتي فكرة المشروع باعتباره مرجعًا يمكن أن يقف إلى جانب كلاسيكيات الفكر العسكري العالمي من حيث الطموح والموضوع، مع اختلاف المنهج والمادة العلمية.
فالكتاب الصيني يقدم مبادئ وقواعد عامة في التفكير العسكري، بينما يسعى الكتاب المصري إلى دراسة التجارب العسكرية نفسها وتحليل كيفية التخطيط لها وتنفيذها والنتائج التي ترتبت عليها.
الفكرة الجديدة: كل معركة ملف عسكري متكامل
يعتمد المشروع على أن تكون لكل معركة وحدة بحثية متكاملة، تتضمن:
– خلفية المعركة وأسبابها.
– أهداف الأطراف المتحاربة.
– تقدير الموقف.
– التخطيط والاستعداد.
– طبيعة مسرح العمليات.
– القيادة وصنع القرار.
– حركة القوات والمناورة.
– وسائل الخداع والاستطلاع والمعلومات، حيث تسمح المصادر.
– مراحل القتال.
– نقاط التحول في المعركة.
– النتائج العسكرية والسياسية.
– الدروس المستفادة.
وبذلك لا يكتفي القارئ بمعرفة من انتصر، وإنما ينتقل إلى فهم كيف جرى التخطيط، وكيف اتخذ القرار، وكيف تطورت العمليات، ولماذا انتهت المعركة إلى نتيجتها.
من أحمس والهكسوس تبدأ الرحلة
تبدأ رحلة الكتاب من صفحات مهمة في التاريخ المصري القديم، وفي مقدمتها عصر أحمس الأول ومواجهة الهكسوس، ثم تمتد عبر مراحل مختلفة من التاريخ العسكري المصري.
ويستفيد المشروع في هذا الجانب من تنوع المادة المتاحة بين الآثار والمتاحف والنقوش والدراسات التاريخية والمصادر الأكاديمية.
وتقدم المؤسسات العسكرية والمتاحف المصرية نفسها نماذج واضحة لهذا الامتداد؛ فالمتحف الحربي المصري يعرض موضوعات من العصر الفرعوني، منها مواجهة الهكسوس، إلى جانب معارك من عصور تاريخية لاحقة، بينما تعرض بانوراما حرب أكتوبر لوحة لأحمس إلى جانب مشاهد عبور قناة السويس.
وهذا التنوع في المصادر يمنح المشروع فرصة لقراءة التاريخ العسكري المصري ليس باعتباره سلسلة أحداث منفصلة، وإنما باعتباره مسارًا تاريخيًا طويلًا لتطور الخبرة العسكرية.
عين جالوت.. نموذج للدرس العسكري
ثم ينتقل الكتاب إلى محطات كبرى في التاريخ، ومن بينها عين جالوت، التي تمثل واحدة من أشهر المعارك في التاريخ العسكري الإسلامي.
وهنا لا يريد المشروع الاكتفاء بوصف النتيجة التاريخية، بل يسعى إلى دراسة القيادة والتخطيط والمناورة واستغلال الأرض والظروف المحيطة بالمعركة، ثم استخلاص الدروس المستفادة.
وهذا هو الفارق الجوهري في فلسفة الكتاب: المعركة ليست نهاية الحكاية، وإنما بداية للتحليل.
أكتوبر.. وثائق وخطط وشهادات
ويحظى نصر أكتوبر بمساحة محورية في الكتاب، خصوصًا أن المادة الوثائقية المتاحة أصبحت أكثر ثراءً بعد نشر وزارة الدفاع المصرية مجموعة كبيرة من الوثائق الرسمية المتعلقة بحرب 1973.
وتشمل الوثائق المنشورة موضوعات مثل التخطيط الاستراتيجي العسكري، وإدارة الحرب بمراحلها، والخطط المتعلقة بالثغرة، وفض الاشتباك، والإعلام العسكري، ومذكرات القادة.
كما تتضمن المواد الرسمية تفاصيل عن مراحل العمليات والعبور وتكوين رؤوس الكباري وصد الهجمات المضادة ومعارك أخرى خلال الحرب.
وهذه المادة الوثائقية تجعل حرب أكتوبر نموذجًا مثاليًا للمنهج الذي يسعى الكتاب إلى تطبيقه: الوثيقة + الخطة + العملية + شهادة القائد + التحليل + الدرس المستفاد.
التوثيق الفني.. عندما تصبح الصورة وثيقة
ومن العناصر اللافتة في المشروع محاولة عدم الفصل بين التاريخ العسكري والتوثيق الفني.
فالمعركة قد تكون موثقة في وثيقة عسكرية، وفي الوقت نفسه حاضرة في لوحة فنية، أو متحف، أو أثر، أو خريطة، أو عمل أدبي.
وتظهر بانوراما حرب أكتوبر، على سبيل المثال، توظيف الفن والعرض المتحفي في تقديم مراحل الحرب، إلى جانب عرض مواقع القوات ومفهوم التخطيط لحرب أكتوبر ومشاهد عبور القناة.
ومن هنا يسعى «خير أجناد الأرض» إلى بناء ملف متعدد المصادر لكل معركة، لا يعتمد على النص وحده.
التوثيق الأكاديمي والعسكري والأدبي
ولا يقتصر المشروع على الوثائق العسكرية، وإنما يطمح إلى جمع أربعة مسارات رئيسية:
أولًا: التوثيق العسكري
الخطط، الخرائط، المذكرات، الوثائق، شهادات القادة، وتقارير العمليات حيث تتوافر.
ثانيًا: التوثيق الأكاديمي
الدراسات والكتب والأبحاث الجامعية والمراجع المتخصصة.
ثالثًا: التوثيق الفني
المتاحف، الآثار، النقوش، اللوحات، الخرائط، والأعمال الفنية.
رابعًا: التوثيق الأدبي
المذكرات والروايات والنصوص والشهادات والأعمال الأدبية التي تناولت المعارك وأبطالها.
وهذا الجمع هو أحد أهم العناصر التي يسعى المؤلف إلى تقديمها في مشروعه.
لماذا يمكن أن يمثل الكتاب إضافة إلى المراجع العسكرية العالمية؟
تتمثل الفكرة الأساسية في أن الكتاب لا يقدم نوعًا واحدًا من المعرفة العسكرية، بل يحاول الجمع بين المعرفة النظرية والتجربة التاريخية والتوثيق والتحليل.
فإذا كان «فن الحرب» يقدم إطارًا كلاسيكيًا للتفكير في الحرب والاستراتيجية، فإن «خير أجناد الأرض» يسعى إلى تقديم مختبر تاريخي واسع تُدرس داخله معارك متباعدة زمنيًا ومكانيًا، مع محاولة استخراج الدروس من كل تجربة.
ومن أبرز عناصر المشروع:
1. الاتساع الزمني:
الانتقال من مصر القديمة إلى العصور الإسلامية والحديثة والمعاصرة.
2. دراسة المعركة كوحدة مستقلة:
كل معركة لها ظروفها وخطتها وقيادتها ونتائجها.
3. استخراج الدروس المستفادة:
عدم الاكتفاء بالسرد التاريخي.
4. الجمع بين أنواع متعددة من التوثيق:
العسكري والأكاديمي والفني والأدبي.
5. الربط بين التخطيط والتنفيذ:
قراءة النتيجة في ضوء القرارات التي سبقتها.
6. تحويل التاريخ إلى مادة بحثية:
بحيث يستطيع الباحث العودة إلى المعركة لدراسة عناصر محددة فيها.
من نصر أكتوبر إلى سيناء والجمهورية الجديدة
ويمتد الكتاب إلى المرحلة المعاصرة، متناولًا مواجهة الإرهاب في سيناء، ثم ما ارتبط بها من جهود الدولة في التنمية والبناء.
وبذلك لا تنتهي الرحلة عند المعركة العسكرية، وإنما تصل إلى مفهوم أوسع يتعلق بحماية الأرض والاستقرار والمساهمة في بناء الدولة.
وتصبح الخاتمة المعاصرة للكتاب انتقالًا من الدفاع عن الأرض إلى بناء المستقبل، في إطار ما يقدمه المؤلف عن الجمهورية الجديدة.
مشروع مصري بطموح عالمي
بهذا التصور، يقدم محمود عمر هاشم كتابه باعتباره مشروعًا يسعى إلى تجاوز الشكل التقليدي لكتب التاريخ العسكري.
فالمشروع لا يريد أن يقول فقط إن الجيش المصري خاض معارك كثيرة، وإنما يريد أن يسأل في كل مرة:
ما الذي حدث؟
كيف حدث؟
كيف تم التخطيط له؟
من اتخذ القرار؟
كيف جرت العمليات؟
ما مصادر توثيق الحدث؟
وما الدرس الذي بقي منه؟
وهنا تتبلور الفكرة المركزية للكتاب: إن توثيق الانتصار لا يكتمل بتسجيل النتيجة، وإنما بتوثيق الطريق الذي أدى إليها.
ومن أحمس والهكسوس، مرورًا بالمعارك الكبرى في التاريخ، وعين جالوت، وصولًا إلى نصر أكتوبر المجيد، ومواجهة الإرهاب في سيناء، والمشاركة في بناء الجمهورية الجديدة، يسعى «خير أجناد الأرض» إلى تقديم سردية عسكرية واسعة مدعومة بالتوثيق والتحليل.
وإذا اكتمل المشروع وفق هذا المنهج، وبمراجعة علمية للمصادر وإثبات كل معلومة بإحالة دقيقة، فإنه يطمح إلى أن يصبح مرجعًا مصريًا ذا حضور عالمي في دراسة تاريخ المعارك والتخطيط العسكري والدروس المستفادة منها، وأن يفتح مساحة جديدة في المكتبة العسكرية العالمية إلى جانب الأعمال الكلاسيكية، وفي مقدمتها «فن الحرب» الصيني.
«خير أجناد الأرض».. ليس فقط تاريخًا للمعارك، بل محاولة لقراءة كيف صُنعت المعركة، وكيف تحقق النصر، وماذا بقي من دروسه للأجيال.




