دسوقي عبدالله يكتب …ورحلت الحاجة ” زينب ” !
كنت أمر عليها صباح كل يوم فى طريقى الى العمل !
عجوز فى العقد السابع من عمرها .. حفر الزمان اثاره على وجهها !
ترتدى ملابس رثة توحى بفقر مدقع تعيشه .. رقعته بأكثر من لون لتخفى فتحاته وتستر جسدها النحيل الذى سيطر عليه المرض .
تجلس على قارعة الطريق .. وامامها مجموعة من الكراتين بداخلها علب البسكويت والحلوى تبيعها لتلامذة المدرسة التى تجلس بجوارها فى قريتها الصغيرة !
تشكلت علاقة روحية بينى وبين تلك العجوز نحيلةالجسد ضعيفة البصر قعيدة الفراش .
حرصت ان أقف أمامها كل صباح اتحدث معها لدقائق ثم انصرف بينما كانت ترمقنى بنظرات حانية أشعر معها وكأن أمى لم تغادر الدنيا .
عرفت ان اسمها الحاجة ” زينب ” .. مات زوجها منذ زمن بعيد .. لديها ولد متزوج وان حالهم على قدهم .
تحدثت كثيرا عن انها دائما تحمد الله على نعمة عليها .. سألتها تلك النعم .. اجابت بنبرات صوت هادئة .. ” كفاية يا بنى ان لينا لسان نذكر به ربنا ونحمده !
كانت الابتسامة تعلو وجهها فى كل صباح وكأنها حيزت الدنيا بحذافيرها .
لم تتذمر يوما لضيق الحال .. ترفض ان تشكو حالها لغير الله .. فهو جل شأنه يعرف بحالها .
بضعة من الجنيهات تحصل عليها فى كل يوم كانت تكفيها .. تقول اهم حاجة ربنا يبعد المرض يا بنى .. وادنى ماشية على رجليا ما انحوجش لحد .
منتهى البساطة والرضا بما قسمه الله .. كانت أقصى أمنيات الحاجة ” زينب ” من الدنيا .. ان تزور قبر رسول الله قبل أن تموت.
جمعنى بالحاجة ” زينب ” رباط روحى .. تعودت ان ألقاها كل صباح .
وعندما لا تراني لعدة ايام كانت تبادرنى
* كنت فين يا بنى قلقت عليك
البساطة والتلقائية اكثر معالم شخصيتها .. تمتلك قلبا نابضا بالحب لكل من حولها .
ومرت ايام وايام وانا لم أرى طيبة القلب نقية الفؤاد .. لم تعد تجلس مكانها .
المكان خالى منها .. الا من بعض الأطفال الصغار يبحثون عن العجوز بائعة الحلوى !
واليوم رمقت بعينى سيدة فى العقد الثالث من عمرها تجلس مكانها تبيع الحلوى للصغار .. سألتها ؟
* امال فين الحاجة زينب
** ماتت يا بيه .. انا زوجة ابنها
* معقولة .. امتى
** من اسبوع
* ايه اللى حصل ؟
* تعبت من اسبوع .. وقالت يا رب هون عليا .. انا غلبانة !
وقبل ما تنطق بالشهادة .. قالتلي .. لما الأستاذ يعدى ويسأل عليا .. أبقى سلميلى عليه .
ودخلت فى نوبة بكاء شديدة لم تنتهي حتى الان !




