حين تتحول النصيحة إلى تدخل

د مروة طرطور

في كثير من البيوت تبدأ الحكاية بجملة تبدو بريئة وبسيطة «أنا بقولك كده علشان مصلحتك»، وقد تكون النصيحة في بدايتها مجرد كلمة عابرة تحمل قدرًا من الاهتمام والحرص، لكنها أحيانًا تتحول تدريجيًا إلى أسئلة متكررة، ثم إلى إصرار، ثم إلى محاولة لتوجيه قرار لم يعد من حق أحد أن يتخذه سوى صاحبه، فالنصيحة في أصلها قيمة إنسانية جميلة، والمجتمعات بطبيعتها تحتاج إلى تبادل الخبرات ووجهات النظر، كما أن الأسرة التي تقوم على المودة لا يمكن أن تخلو من النصح والإرشاد، لكن المشكلة لا تكمن في تقديم النصيحة نفسها بقدر ما تكمن في الطريقة التي نقدمها بها والحدود التي نقف عندها.

د

نحن مجتمع يعرف قيمة النصيحة، ويعتبر الاهتمام بالآخرين نوعًا من المحبة والحرص، فمن الطبيعي أن يقدم الأب لابنه نصيحة، وأن تنصح الأم ابنتها، وأن يتبادل الأصدقاء وجهات النظر في المواقف المختلفة، فالنصيحة الصادقة قد تختصر على الإنسان طريقًا طويلًا، وتمنحه زاوية لم يكن يراها، وربما تحميه من قرار متسرع أو تساعده على رؤية الأمور بصورة أكثر وضوحًا، لكن هذه القيمة الجميلة تفقد معناها عندما تتحول النصيحة من رأي يمكن قبوله أو رفضه إلى تعليمات يجب تنفيذها، وعندما يصبح من يقدم النصيحة مقتنعًا بأن وجهة نظره هي الحقيقة الوحيدة التي لا تحتمل النقاش.

وهنا يظهر السؤال الأهم، متى تتوقف النصيحة عن كونها مساعدة وتتحول إلى تدخل في حياة الآخرين، فأن تقول لشخص «فكر في الأمر جيدًا» يختلف تمامًا عن أن تقول له «يجب أن تفعل كذا»، وأن تعرض رأيك في قرار يخصه يختلف عن أن تتعامل مع رأيك باعتباره القرار الوحيد الصحيح، لأن الإنسان في النهاية هو الأكثر معرفة بتفاصيل حياته وظروفه وقدرته على تحمل نتائج اختياراته، وحتى عندما نكون أكثر قربًا منه ونملك خبرة أكبر في بعض جوانب الحياة، فإن ذلك لا يمنحنا بالضرورة الحق في اتخاذ قرارات تخصه أو رسم الطريق الذي يجب أن يسير فيه.

د

وفي حياتنا اليومية أمثلة كثيرة على هذا النوع من التدخل، فشخص يقرر تغيير عمله يجد المحيطين به يبدؤون في تقييم القرار نيابة عنه، وشاب أو فتاة يتأخران في الزواج تتحول حياتهما الخاصة إلى موضوع مفتوح للنقاش والتعليق، وأسرة تختار طريقة معينة لتربية أبنائها تجد نفسها أمام قائمة طويلة من الآراء والتعليمات والتوجيهات، وقد لا يكون أصحاب هذه التدخلات سيئي النية على الإطلاق، فبعضهم يتحدث بدافع الحب، وبعضهم بدافع الخوف، وآخرون يعتقدون أنهم يقدمون خلاصة خبراتهم التي اكتسبوها على مدار سنوات طويلة، لكن حسن النية وحده لا يعني أن التدخل مقبول، لأن الإنسان مهما كانت علاقته بالآخرين يحتاج إلى مساحة خاصة يحتفظ فيها بقراراته وأفكاره وتفاصيل حياته.

وتزداد المشكلة عندما يصبح رفض النصيحة دليلًا على العناد أو قلة التقدير، وعندما يُفسر اختلاف الشخص مع من حوله بأنه قلة احترام أو تمرد، فهنا لا يعود الحوار قائمًا على تبادل الرأي وإنما يتحول إلى محاولة لإثبات من يملك الحق في اتخاذ القرار، وقد يشعر الإنسان مع الوقت بأن كل خطوة في حياته ستخضع للتعليق والتقييم، فيبدأ في إخفاء تفاصيل حياته عن أقرب الناس إليه، ليس لأنه لم يعد يحبهم أو يثق بهم، وإنما لأنه يريد ببساطة أن يحتفظ بمساحته الشخصية وأن يعيش بعض اختياراته بعيدًا عن التدخل المستمر، وهنا تحدث المفارقة، فالتدخل الذي بدأ بدافع القرب والاهتمام قد يؤدي في النهاية إلى زيادة المسافة بين الأشخاص.

ومع ذلك فإن احترام خصوصية الآخرين لا يعني أن نتوقف عن تقديم النصيحة أو أن نصبح غير مبالين بما يحدث حولنا، فهناك مواقف يكون فيها الصمت تقصيرًا، خصوصًا عندما يكون الإنسان أمام خطر واضح أو قرار قد يترتب عليه ضرر كبير، لكن الفارق الحقيقي يكمن في طريقة تقديم النصيحة وفي احترام حق الطرف الآخر في اتخاذ قراره، فالنصيحة الصحية تفتح بابًا للتفكير ولا تغلقه، وتقول لصاحبها «هذه وجهة نظري وأنت أدرى بحياتك»، بينما التدخل يقول بطريقة مباشرة أو غير مباشرة «أنا أعرف مصلحتك أكثر منك»، وبين الجملتين مسافة كبيرة تحدد طبيعة العلاقة وحدودها.

ولعلنا جميعًا نحتاج إلى مراجعة الطريقة التي نتعامل بها مع من نحب، فليس كل اختلاف يحتاج إلى تصحيح، وليس كل قرار نراه غير مناسب يستدعي محاولة تغييره، وأحيانًا يكون دورنا الحقيقي هو أن نستمع أولًا، ثم نقدم رأينا عندما يكون مناسبًا أو عندما يُطلب منا، وبعد ذلك نترك للآخر مساحة يتحمل فيها نتيجة اختياره، لأن النضج لا يعني أن نمتلك إجابة لكل سؤال أو حلًا لكل مشكلة، وإنما يعني أن ندرك أن لكل إنسان حقًا في أن يخوض تجربته بنفسه، وأن يتعلم من أخطائه، وأن يختار طريقه وفقًا لظروفه وقدراته.

والعلاقات القوية لا تحتاج فقط إلى المحبة والقرب والنصيحة، وإنما تحتاج أيضًا إلى حدود واضحة تحميها من التحول إلى سيطرة، فالاهتمام الحقيقي لا يعني أن نعيش حياة الآخرين بدلًا منهم، ولا أن نقرر عنهم ما نراه مناسبًا لهم، وإنما أن نكون إلى جوارهم عندما يحتاجون إلينا، وأن نمد لهم يد الدعم عندما يطلبونها، وأن نحترم اختياراتهم حتى عندما لا تتفق تمامًا مع رؤيتنا، لأن احترام الإنسان لا يظهر فقط في قبول ما يفعله عندما يوافقنا، وإنما يظهر بصورة أكبر عندما نختلف معه ونظل نحترم حقه في الاختيار.

وربما لا تكمن المشكلة في كثرة النصائح التي نقدمها، وإنما في اعتقادنا أن محبتنا للآخرين تمنحنا حق إدارة حياتهم، وقد تكون واحدة من علامات النضج أن نعرف متى نتحدث ومتى نستمع، ومتى نقدم النصيحة ومتى نترك للآخر حرية الاختيار، فليس كل من نحبهم يحتاجون إلى من يقرر عنهم، وليس كل قرار لا يعجبنا يحتاج إلى تدخل، وأحيانًا تكون أفضل نصيحة يمكن أن نقدمها هي أن نحترم حق الإنسان في أن يعيش حياته بنفسه، وأن نكون بجانبه دون أن نحاول أن نعيش مكانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى