هل أصبح الانشغال إدمانًا؟.. عندما تتحول «أنا مشغول» إلى أسلوب حياة

د مروة طرطور
لم تعد عبارة «أنا مشغول» مجرد رد عابر نستخدمه للاعتذار عن تأجيل موعد أو تأخير مهمة، بل أصبحت واحدة من أكثر الجمل حضورًا في حياتنا اليومية.
نرددها في العمل، ومع الأصدقاء، وحتى داخل منازلنا، وكأنها تعكس نمطًا ثابتًا من الحياة. ومع مرور الوقت، يبرز سؤال مهم: هل نحن منشغلون فعلًا بكل هذا القدر، أم أننا اعتدنا أن نعيش في حالة انشغال دائم، فرضت وتيرة الحياة الحديثة إيقاعًا سريعًا جعل الوقت يبدو أقل من أن يستوعب حجم المسؤوليات والالتزامات.
وبين العمل والدراسة والأسرة والتكنولوجيا التي لا تتوقف عن جذب انتباهنا، أصبح كثيرون يقيسون قيمة يومهم بمدى امتلائه بالمهام. وأصبح الفراغ أو الراحة لدى البعض مرادفًا للتقصير، بينما يُنظر إلى الانشغال باعتباره دليلًا على النجاح والطموح.
ولا خلاف على أن العمل الجاد والسعي إلى تحقيق الأهداف من أهم أسباب التقدم، سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي، فالإنجاز يمنح الإنسان شعورًا بالرضا ويعزز ثقته بنفسه، كما يفتح أمامه فرصًا جديدة للتطور، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الانشغال من وسيلة لتحقيق الأهداف إلى غاية في حد ذاته، فيصبح الإنسان أسيرًا لدائرة لا تنتهي من المهام.
ومع هذا النمط، تتراجع أهمية الراحة تدريجيًا، فبدلًا من اعتبارها ضرورة لاستعادة النشاط، ينظر إليها البعض باعتبارها وقتًا ضائعًا، بل إن كثيرين يشعرون بالذنب إذا مر عليهم وقت دون عمل أو إنجاز، وهو ما يؤدي إلى إرهاق نفسي وجسدي قد لا تظهر آثاره إلا بعد فترة طويلة.
ولا تتوقف انعكاسات الانشغال المستمر عند الفرد وحده، بل تمتد إلى محيطه الاجتماعي. فالعلاقات الأسرية تصبح أقل دفئًا، واللقاءات مع الأصدقاء تتراجع، والهوايات التي كانت تمنح الحياة قدرًا من التوازن تختفي تدريجيًا تحت ضغط الأولويات المتزايدة، ومع مرور الوقت، يفقد الإنسان جزءًا من الجوانب التي تمنحه الشعور بالاستقرار والسعادة.
وفي بعض الأحيان، لا يكون الانشغال مجرد استجابة لضغط المسؤوليات، بل يتحول إلى وسيلة للهروب من مواجهة الذات، فبدلًا من التفكير في القرارات المؤجلة أو التعامل مع المشكلات النفسية والضغوط الداخلية، يختار البعض ملء كل دقيقة بعمل جديد، حتى لا يترك لنفسه فرصة للتأمل أو المراجعة.
ويواجه الشباب بصورة خاصة ضغوطًا إضافية في ظل الانتشار الواسع لمحتوى يتحدث باستمرار عن الإنجاز والإنتاجية والتطوير الذاتي. فالمقارنة المستمرة مع قصص النجاح المعروضة على منصات التواصل الاجتماعي قد تخلق انطباعًا بأن الإنسان الناجح هو الذي يعمل بلا توقف، بينما تُصوَّر الراحة وكأنها رفاهية لا مكان لها في طريق النجاح.
غير أن الواقع يؤكد أن الاستمرار في العطاء لا يعتمد على عدد ساعات العمل فقط، وإنما على تحقيق التوازن بين الجهد والراحة. فكما يحتاج الجسد إلى النوم ليستعيد نشاطه، يحتاج العقل أيضًا إلى فترات من الهدوء بعيدًا عن الضغوط، لأن الراحة ليست نقيض الإنجاز، بل أحد أهم أسبابه.
في النهاية، لا تُقاس قيمة الإنسان بعدد الساعات التي قضاها منشغلًا، وإنما بما يحققه من أثر حقيقي في حياته وحياة من حوله. فالنجاح لا يعني أن نظل في سباق دائم مع الوقت، بل أن نعرف كيف نوازن بين العمل والحياة، وبين الطموح والراحة، وأن ندرك أن التوقف أحيانًا ليس تراجعًا، وإنما خطوة ضرورية لاستكمال الطريق بثبات ووعي.



