الصمت كاستراتيجية أسرية.. بين التماسك العاطفي والاحتياج إلى التعبير

دكتورة مروة طرطور 
داخل كثير من الأسر، لا تُقاس قوة الفرد بقدرته على الفهم أو التوازن، بقدر ما تُقاس بقدرته على التحمل، فالمشاعر لا تُناقش، والألم لا يُعبَّر عنه بوضوح، ويُدار الصمت كأنه أسلوب طبيعي للحياة، ومع الوقت، تتشكل ثقافة غير معلنة ترى أن التعبير النفسي قد يهدد الاستقرار، بينما كتم المشاعر هو ما يحافظ على تماسك الأسرة.
هذا النمط لا ينشأ بالضرورة من قسوة أو إهمال، بل في كثير من الأحيان من نية الحماية، بعض الآباء يعتقدون أن تجنيب الأبناء الحديث عن الألم أو القلق يخفف عنهم، أو أن إظهار الصلابة أمامهم يمنحهم شعورًا بالأمان.
هنا يظهر الجانب الإيجابي الكامن في هذه الثقافة: «الرغبة في الحفاظ على الاستقرار، وتجنب تحميل الأفراد ما لا يستطيعون تحمله»، لكن هذه الحماية، حين تتحول إلى صمت دائم، تبدأ في إنتاج أثر عكسي، والفرد لا يتوقف عن الشعور، بل يتعلم أن يخفي، ومع مرور الوقت، قد يصبح غير قادر على فهم أو حتى تسمية ما يشعر به.
هذه الحالة لا تعكس ضعفًا، بقدر ما تعكس نتيجة مباشرة لبيئة لم تُتح فيها مساحة كافية للتعبير، ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن الصمت قد يؤدي دورًا وظيفيًا في بعض المواقف.
في أوقات الأزمات، قد يساعد تأجيل التعبير على الاستمرار، ويمنح الأفراد قدرة مؤقتة على التماسك.
والمشكلة لا تكمن في الصمت ذاته، بل في تحوله إلى قاعدة ثابتة، بدلًا من كونه استجابة مؤقتة لظروف معينة.
ومع تراكم هذا النمط، قد تظهر آثار نفسية غير مباشرة، مثل: «التوتر المزمن أو صعوبة بناء علاقات صحية» وفي بعض الحالات، قد تتطور هذه الآثار إلى اضطرابات مثل: «القلق أو الاكتئاب» ومع ذلك، يبقى الأهم هو فهم الجذور التي أنتجت هذه الحالة، بدلًا من التعامل مع نتائجها بشكل منفصل.
والجانب الإيجابي الحقيقي لا يكمن في استمرار الصمت، بل في إمكانية إعادة توجيهه، فالأسر التي بُنيت على هذا النمط تمتلك بالفعل عناصر قوة مهمة، مثل «الترابط، والرغبة في الحماية، والحرص على الاستقرار»، وهذه المقومات نفسها يمكن توظيفها لبناء بيئة أكثر توازنًا، دون المساس بهذا التماسك.
ومن هنا، فإن إدخال مساحات بسيطة للحوار لا يعني تفكيك النظام الأسري، بل تطويره، فليس المطلوب فتح كل شيء دفعة واحدة، وإنما إتاحة حد أدنى من التعبير دون خوف من الحكم أو التقليل، فأحيانًا قد تكون جملة بسيطة مثل: «مفهوم أنك متضايق» كفيلة بتغيير طريقة تعامل الفرد مع مشاعره بشكل كامل.
والتغيير هنا لا يعني انقلابًا على القيم الأسرية، بل إعادة توجيه لها، فالصمت لا يُلغى، وإنما يُستخدم في موضعه الصحيح، ويُستبدل بالحوار عندما يتحول إلى عبء، وبهذا الشكل، يمكن للأسرة أن تحافظ على استقرارها، دون أن يكون ذلك على حساب الصحة النفسية لأفرادها.
في النهاية، لا تمثل ثقافة الصمت النفسي خللًا مطلقًا بقدر ما تعكس نمطًا قابلًا للفهم وإعادة التشكيل، فهي في أصلها لم تُبنَ على الإهمال، بل على رغبة صادقة في الحماية والحفاظ على التماسك، لكن استمرارها دون مراجعة يحوّلها من وسيلة دعم إلى عبء صامت.
الحل لا يكمن في كسر هذا الصمت بشكل مفاجئ، بل في إعادة توازنه؛ بأن يُستخدم حين يكون ضرورة، ويُستبدل بالحوار حين يصبح كلفة نفسية، عندها فقط، تستطيع الأسرة أن تحافظ على استقرارها الحقيقي؛ استقرار يقوم على الفهم، لا الكتمان.
ولهذا، فإن السؤال الأهم لم يعد لماذا تصمت الأسر، بل: كيف ومتى تبدأ في الاستماع؟



