فن السؤال أمام الرؤساء والمسؤولين.. كيف يصنع الصحفي لحظة الحقيقة؟

بقلم / ياسر مطري

حين يقف الصحفي أمام رئيس أو مسؤول، فإنه يقف ممثلًا لحق الناس في المعرفة، لا ليقدم عبارات الثناء والإعجاب، ولا ليمنح محاوره مساحة للحديث عن إنجازاته، وإنما ليطرح السؤال الذي ينتظر الجمهور إجابته.

فالمهنة الصحفية لا تقوم على المجاملة، بل على الاستفسار والمساءلة والتحقق، والسؤال أداة مهنية لكشف الحقائق واختبار التصريحات ووضع المسؤول أمام القضايا التي تشغل الرأي العام، وهنا تتجلى قيمة الصحفي في دقة سؤاله وجرأته المهنية وقدرته على اختصار قضية كاملة في كلمات محددة تفتح الطريق أمام معلومة تستحق أن يعرفها الناس.

السؤال القصير.. فن يحتاج إلى إعداد طويل

في قمة هلسنكي عام 2018، التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الأولى ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، وجّه جوناثان ليمير، مراسل وكالة «أسوشيتد برس»، سؤالًا مباشرًا إلى ترامب: «من تصدق، الرئيس بوتين أم أجهزة الاستخبارات الأمريكية التي أكدت تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية؟»، فجاء رد ترامب مرتبكًا، إذ قال إنه لا يرى سببًا يدفع روسيا للتدخل، مشيرًا إلى أن بوتين نفى ذلك، وهو ما جعل السؤال محورًا رئيسيًا في التغطية الإعلامية للقمة.

وفي القمة نفسها، طرح جيف ماسون، مراسل وكالة «رويترز»، سؤالًا على ترامب عما إذا كان يحمل روسيا مسؤولية أي شيء تسبب في تدهور العلاقات بين البلدين، فجاء الرد بأن الولايات المتحدة وروسيا تتحملان المسؤولية معًا، وأن الطرفين ارتكبا أخطاء، وهو سؤال كشف أهمية مطالبة المسؤول بتحديد موقفه بدل الاكتفاء بالتصريحات العامة.

وخلال القمة التي جمعت ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في هانوي عام 2019، سأل ديفيد ناكامورا، مراسل صحيفة «واشنطن بوست»، الزعيم الكوري: «هل أنت واثق وتشعر بالتفاؤل بشأن التوصل إلى اتفاق؟»، فجاء الرد عبر المترجم بأن الوقت لا يزال مبكرًا للحكم، لكنه ليس متشائمًا، وأن لديه شعورًا بإمكانية تحقيق نتائج جيدة، ورغم عدم التوصل إلى اتفاق في نهاية القمة، فإن السؤال نجح في انتزاع موقف مباشر من زعيم نادرًا ما كان يجيب عن أسئلة الصحفيين الأجانب.

أما الصحفية الأمريكية هيلين توماس، فقد قدمت واحدة من أشهر المواجهات الصحفية مع الرئيس جورج بوش الابن عام 2006، عندما سألته عن السبب الحقيقي وراء قراره غزو العراق، بعد سقوط آلاف القتلى والجرحى، قائلة: «لماذا أردت الحرب حقًا؟»، فرد بوش بأن افتراض أنها كانت حربًا أرادها من البداية غير صحيح، مؤكدًا أن هجمات 11 سبتمبر غيرت موقفه من الأمن والسياسة الخارجية، وأنه اتخذ قرار الحرب لحماية الأمريكيين، لكن أهمية السؤال كانت في وضع مبررات الحرب أمام اختبار مباشر.

نشأت الديهي وبوتين.. واقعة تعيد النقاش إلى مهنية السؤال

عاد النقاش حول طبيعة السؤال الصحفي وطريقة إدارة اللقاءات مع الرؤساء إلى الواجهة عقب لقاء الزميل الإعلامي نشأت الديهي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين أول أمس الخميس الموافق 29 أكتوبر 2026، حيث طرح الديهي أسئلة تتعلق بدور روسيا في تسوية النزاعات داخل القارة الإفريقية، وموقف موسكو من تصاعد التوتر مع أوروبا واحتمالات اندلاع مواجهة.

وخلال اللقاء، طلب بوتين من الديهي التعريف بنفسه وبالقناة التي يمثلها، فقدمها باسم «القناة العاشرة المصرية»، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا، خاصة أن القناة معروفة باسم «TeN»، وأن تسمية «العاشرة» طُرحت باعتبارها تعريبًا مقترحًا للاسم، وليست اسمًا رسميًا مستقرًا للقناة وقت اللقاء.

ومن وجهة نظر مهنية، كان التعريف باسم القناة المعروف والمتداول «TeN» أكثر وضوحًا في هذا المقام، كما كان سيمنح المؤسسة الإعلامية فرصة للتعريف بنفسها أمام رئيس دولة وبحضور وسائل إعلام دولية، فاسم المؤسسة جزء من هويتها، والظهور في مثل هذا المحفل فرصة للتعريف بها خارج حدود جمهورها المحلي.

الصحفي يسأل نيابة عن الجمهور

لا تقاس قيمة الصحفي بمجرد الوقوف أمام الرؤساء والمسؤولين، وإنما بقدرته على استثمار هذه الفرصة في طرح أسئلة تهم الجمهور والحصول على إجابات واضحة، فالسؤال الجيد يعكس إعدادًا مهنيًا ومعرفة بالقضية، وقد يكشف معلومة تظل حاضرة في ذاكرة الناس، بينما ينتهي المديح بانتهاء اللقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى