الاحتراق النفسي الصامت.. حين تقول «أنا بخير» وأنت على وشك الانطفاء

د. مروة طرطور
في الصباح يرن المنبه، تفتح عينيك وتعرف أن أمامك يومًا طويلًا، لا شيء استثنائي حدث بالأمس، نمت عدد ساعات معقولة، ومع ذلك لا تشعر برغبة في النهوض، ليس لأنك كسول أو تكره حياتك، ولكن لأن طاقتك لم تعد كما كانت.
تنهض وتذهب إلى عملك أو دراستك، تنجز ما تستطيع، تتحدث مع الآخرين وربما تضحك، ثم يسألك أحدهم «إنت مالك؟»، فتجيب تلقائيًا «أنا كويس»، بينما الحقيقة أنك قد تكون تعبت من كثرة ما تحاول أن تبدو بخير أمام الآخرين.
الاستنزاف النفسي لا يأتي دائمًا بصورة واضحة، فمهمة كانت تحتاج ساعة أصبحت تحتاج ثلاثًا، ومكالمة بسيطة أصبحت عبئًا، والخروج مع الأصدقاء تحول إلى مجهود، والأشياء التي كانت تسعدك لم تعد تفعل، فتبدأ في تأجيل أبسط المهام وتتهم نفسك بالكسل، بينما قد يكون عقلك وجسدك يطلبان منك التوقف قليلًا.
وتعرّف منظمة الصحة العالمية الاحتراق النفسي بأنه ظاهرة مرتبطة بالعمل، تنتج عن ضغط مهني مزمن لم تتم إدارته بصورة ناجحة، وتظهر في صورة استنزاف للطاقة، ومشاعر سلبية تجاه العمل، وتراجع الإحساس بالفاعلية المهنية، لكن ضغوط الحياة لا تتوقف عند العمل، فقد تتداخل معها الأسرة والدراسة والمال والعلاقات، حتى يشعر الإنسان أنه متعب من كل شيء.
الأخطر أن الشخص المنهك قد يبدو طبيعيًا أمام الآخرين، فالموظف الأكثر التزامًا قد يكون الأكثر تعبًا، والأم التي تهتم بالجميع قد تكون في حاجة إلى من يسألها عن حالها، والطالب الذي يبدو مستعدًا قد يعيش خوفًا مستمرًا من الفشل، لأننا نرى ما يفعله الآخرون، ولا نرى دائمًا ما يدفعونه من طاقتهم.
وتزيد مواقع التواصل الاجتماعي هذا الضغط، عندما نرى نجاحات الآخرين وسفرهم ومشروعاتهم وصورهم السعيدة، فنقارن حياتنا بكل تفاصيلها بما يظهر أمامنا على الشاشة، وننسى أننا لا نرى إلا جزءًا صغيرًا من حياة الآخرين، فتبدأ جملة قاسية في داخلنا: «الناس كلها بتتقدم وأنا واقف مكاني».
وأحيانًا لا يكون سبب الإرهاق كثرة المسؤوليات، وإنما غياب الحدود، أن تقول «نعم» وأنت تريد أن تقول «لا»، وأن تكون متاحًا طوال الوقت، وأن تشعر بالذنب إذا أخذت وقتًا لنفسك، فالراحة ليست مكافأة بعد انتهاء المسؤوليات، لأن المسؤوليات لا تنتهي.
ربما تكون البداية في سؤال بسيط وصادق: «هل أنا بخير فعلًا؟»، وما الذي يستنزفني، وما الذي يمكنني تخفيفه، وأين تذهب طاقتي، وإذا أصبح الإرهاق مستمرًا ومؤثرًا في النوم أو التركيز أو العلاقات أو القدرة على العمل والدراسة، فإن طلب المساعدة من مختص يستحق التفكير.
ربما لا يكون الإنسان في حاجة دائمًا إلى أن يبدو قويًا، ولا إلى أن يثبت للآخرين أنه قادر على تحمل كل شيء، فهناك تعب لا يظهر على الوجه، وحكايات كاملة تختبئ خلف جملة بسيطة مثل «أنا كويس»، وقد يواصل الإنسان يومه ويضحك ويتحدث وينجز، بينما شيء بداخله يخفت تدريجيًا، لذلك فإن أصعب ما في الاحتراق النفسي ليس التعب نفسه، وإنما أن نعتاد عليه إلى الدرجة التي ننسى معها كيف كانت الحياة قبل أن نفقد شغفنا بها.




