الثانوية العامة.. معركة الأعصاب داخل كل بيت

د مروة طرطور
مر أسبوع على انطلاق امتحانات الثانوية العامة، لكن حالة التوتر التي صاحبت الاستعداد لها لم تغادر كثيرًا من البيوت المصرية، فما بين امتحان انتهى وآخر يقترب، يعيش الطلاب وأسرهم أيامًا متواصلة من الترقب والانتظار، حيث لا تتوقف الحسابات ولا تنتهي التساؤلات، ويظل القلق حاضرًا باعتباره أحد أبرز ملامح هذه المرحلة.
ورغم أن الامتحانات دخلت بالفعل حيز التنفيذ، فإن الضغوط النفسية لم تتراجع بالقدر المتوقع، فكل مادة تنتهي تفتح بابًا جديدًا للتفكير في مستوى الأداء، ومدى صحة الإجابات، وتأثير ذلك على المجموع النهائي.
وبين مراجعة ما مضى والاستعداد لما هو قادم، يجد كثير من الطلاب أنفسهم في دائرة متواصلة من التوتر الذهني والإرهاق النفسي.
ولعل ما يميز الثانوية العامة عن غيرها من المراحل الدراسية أنها لا تمثل امتحانًا للطالب وحده، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى اختبار غير مباشر للأسرة بأكملها، فالأب والأم يعيشان تفاصيل اليوم الدراسي لحظة بلحظة، ويتابعان ردود الأفعال بعد كل امتحان، ويحاولان تقديم الدعم والمساندة، بينما يواجهان في الوقت نفسه مخاوفهما الخاصة بشأن مستقبل أبنائهما.
وتزداد الضغوط عندما تتحول نتائج الامتحانات إلى محور دائم للمقارنات والنقاشات، فبعض الطلاب لا يكتفون بتقييم أدائهم الشخصي، بل يقارنون أنفسهم بزملائهم وما يتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي من إجابات وتوقعات وتحليلات، الأمر الذي يضاعف الشعور بالقلق ويؤثر على التركيز في المواد المتبقية.
وفي خضم هذه الأجواء، قد يغيب عن الأذهان أن الامتحانات ما زالت مستمرة، وأن التركيز على ما انتهى لن يغير شيئًا من النتيجة، فالانشغال بأخطاء محتملة أو إجابات محل شك قد يستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة النفسية التي يحتاجها الطالب لاستكمال بقية الاختبارات بنفس المستوى من التركيز والاستعداد.
وتشير تجارب تربوية عديدة إلى أن أحد أكثر الأخطاء شيوعًا خلال فترة الامتحانات هو السماح للقلق بالسيطرة على التفكير، فالخوف المفرط من النتيجة لا يساعد على تحسين الأداء، بل قد يؤدي إلى تشتت الانتباه وضعف القدرة على الاستذكار واتخاذ القرارات داخل لجنة الامتحان.
كما أن بعض الأسر، بدافع الحرص والرغبة في تحقيق أفضل النتائج، قد تمارس ضغوطًا إضافية على الأبناء دون قصد، فالإلحاح المستمر على أهمية المجموع أو تكرار الحديث عن الكليات المستهدفة قد يزيد من الأعباء النفسية التي يتحملها الطالب بالفعل، في وقت يكون فيه بحاجة إلى الدعم والثقة أكثر من أي شيء آخر.
ومن المهم التأكيد على أن النجاح في الثانوية العامة هدف يستحق السعي والاجتهاد، لكنه ليس المعيار الوحيد للحكم على قدرات الإنسان أو مستقبله، فالحياة العملية أثبتت مرارًا أن النجاح يعتمد على مجموعة واسعة من المهارات والخبرات والقدرات الشخصية، وليس على الدرجات الدراسية وحدها.
وخلال الأيام المتبقية من الامتحانات، يحتاج الطلاب إلى تنظيم الوقت بشكل متوازن، والحصول على قدر كافٍ من الراحة والنوم، والابتعاد عن مصادر التوتر غير الضرورية، خاصة الجدل المتكرر حول الإجابات أو متابعة الشائعات التي تنتشر عقب كل امتحان.
كما يحتاج أولياء الأمور إلى لعب دور مختلف في هذه المرحلة، يقوم على توفير مناخ هادئ داخل المنزل، وإرسال رسائل طمأنة مستمرة للأبناء، والتأكيد لهم أن بذل الجهد هو المعيار الحقيقي الذي يجب أن يشعروا بالفخر تجاهه، بغض النظر عن النتائج النهائية.
وفي النهاية، ستنتهي امتحانات الثانوية العامة بعد أسابيع قليلة، كما انتهت كل المواسم السابقة، وستبقى التجربة بكل ما حملته من تعب واجتهاد وخبرات جزءًا من رحلة النضج التي يمر بها الأبناء.
أما المجموع، مهما بلغت أهميته، فلن يكون أبدًا القصة الكاملة لمستقبل إنسان أو قيمة شخص، فالحياة أكبر من امتحان، والنجاح أوسع من مجموع، والثقة بالنفس تظل واحدة من أهم المكاسب التي ينبغي الحفاظ عليها خلال هذه المرحلة المهمة.




