الشغف.. حين يتحول الإلهام إلى ضغط اجتماعي

د.مروه طرطور
لم يعد الحديث عن العمل مقتصرًا على الوظيفة أو مصدر الدخل فقط، بل أصبح مرتبطًا بصورة أكبر بفكرة الشغف والحماس والرغبة الدائمة في الإنجاز.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت كلمة «الشغف» من فكرة ملهمة تمنح الإنسان الطاقة للاستمرار والتطور، إلى حالة من الضغط النفسي والاجتماعي التي تطارد كثيرين، خصوصًا الشباب في بدايات حياتهم المهنية.
وبات من الطبيعي أن تتكرر عبارات مثل «ابحث عن شغفك» أو «لا تعمل في شيء لا تحبه»، وكأن النجاح لم يعد مرتبطًا بالاجتهاد أو الالتزام وحدهما، بل بوجود حالة مستمرة من الحماس والانبهار بما نفعله.
ومع الوقت، أصبحت هذه الأفكار تُطرح باعتبارها قواعد ثابتة للحياة الناجحة، رغم أن الواقع أكثر تعقيدًا واختلافًا من ذلك بكثير.
في الأصل، لا يمكن إنكار الجانب الإيجابي للشغف، فالإنسان عندما يحب ما يقوم به يصبح أكثر قدرة على الاستمرار، وأكثر استعدادًا للتعلم وتحمل الضغوط والصعوبات.
كما يمنح الشغف العمل معنى مختلفًا، ويجعل ساعات الجهد أقل قسوة، ويدفع صاحبه إلى تطوير نفسه دون شعور دائم بالإجبار أو الملل.
وفي كثير من الأحيان، يكون الشغف سببًا حقيقيًا في نجاح أشخاص استطاعوا تحويل اهتماماتهم إلى مشروعات أو إنجازات مميزة.
كما يساعد الإنسان على تجاوز لحظات الإحباط، لأنه يشعر بأن ما يفعله يحمل قيمة شخصية بالنسبة له، وليس مجرد واجب يومي يؤديه بشكل روتيني.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الشغف من دافع داخلي طبيعي إلى معيار اجتماعي يُقاس به الناس.
فاليوم، يشعر البعض بالذنب فقط لأنهم لا يملكون ذلك «الشغف الكبير» الذي يتحدث عنه الجميع، وقد يعمل شخص بكفاءة واستقرار، ويحقق دخلًا مناسبًا وحياة متوازنة، لكنه يعتقد في داخله أنه فشل، فقط لأنه لا يشعر بحماس دائم تجاه عمله.
ومع الانتشار الواسع لقصص النجاح السريعة على مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت المقارنات أكثر قسوة من أي وقت مضى.
فكل يوم يظهر أشخاص يتحدثون عن اكتشاف شغفهم مبكرًا، أو تحقيق نجاحات ضخمة في سن صغيرة، ما يدفع كثيرين للشعور بأنهم متأخرون أو ضائعون أو يسيرون في الطريق الخطأ.
وفي علم النفس الاجتماعي، يُعرف هذا السلوك باسم «المقارنة الاجتماعية»، حيث يميل الإنسان إلى تقييم نفسه من خلال مقارنة حياته ومساره بغيره.
ومع التكرار المستمر لهذه المقارنات، يتحول الأمر من مجرد طموح طبيعي إلى شعور دائم بعدم الرضا، حتى لو كان الإنسان يحقق تقدمًا حقيقيًا في حياته.
الأخطر من ذلك، أن بعض الناس لم يعودوا يهتمون بما إذا كانوا مرتاحين فيما يفعلون أم لا، بقدر اهتمامهم بكيف يبدون أمام الآخرين.
وهنا يتحول الشغف من علاقة طبيعية بين الإنسان وما يحب، إلى حالة من الاستعراض المستمر التي تحتاج دائمًا إلى إثبات وإظهار.
فيصبح الفرد منشغلًا بإقناع الناس بأنه متحمس وملهم، أكثر من انشغاله بفهم نفسه أو اكتشاف ما يريده فعلًا.
ومع الوقت، يفقد كثيرون القدرة على التفرقة بين ما يحبونه حقًا، وما يشعرون أنهم مضطرون لحبه فقط حتى يبدوا ناجحين أو مختلفين أو أكثر تميزًا.
الحقيقة التي يتم تجاهلها كثيرًا، أن الشغف ليس شعورًا ثابتًا أو دائمًا كما يتم تصويره، فالشغف قد يتغير مع الوقت، وقد يضعف ثم يعود، وقد يظهر في أكثر من اتجاه خلال مراحل الحياة المختلفة، كما أن الإنسان نفسه يتغير، وبالتالي تتغير اهتماماته وطريقة نظرته للأشياء.
وفي أحيان كثيرة، لا يبدأ الإنسان عمله بدافع الشغف أصلًا، بل يتحول الالتزام والاستمرار والتجربة مع الوقت إلى اهتمام حقيقي وربما حب أيضًا، فليس كل الناجحين بدأوا وهم يعرفون بالضبط ماذا يريدون، وليس كل من يحب عمله الآن كان يشعر بالشغف تجاهه منذ البداية.
لذلك، فالمشكلة ليست في الشغف نفسه، بل في الصورة المثالية المبالغ فيها التي تم تصديرها عنه خلال السنوات الأخيرة، حيث أن الحياة لا تسير دائمًا بحماس مرتفع، والعمل لا يكون ممتعًا طوال الوقت، والإنسان ليس مطالبًا بأن يشعر بالشغف في كل لحظة حتى يكون ناجحًا أو يسير في الطريق الصحيح.
وفي عالم يضغط على الأفراد ليكونوا دائمًا أكثر حماسًا وإنتاجًا وإنجازًا، ربما يصبح التوازن النفسي والرضا الواقعي أكثر أهمية من البحث المستمر عن «شغف مثالي» لا يتوقف.




