لحظات من نور في مسجد سيدي أبو علوان

الكاتب الصحفي ياسر مطري

قادني الشوق والسكينة إلى صلاة الجمعة الماضية بمسجد سيدي أبو علوان بمدينة بلبيس، وهناك وجدت نفسي أمام مشهد بسيط في شكله، عميق في معناه، يلامس القلب قبل العقل.

كان خطيب الجمعة في هذا اليوم أستاذنا الفاضل الشيخ أحمد النادي، الذي تناول في خطبته ذكرى ميلاد العالم الجليل الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق، ابن أرض بلبيس، مستعرضًا سيرته العطرة ومكانته العلمية والدعوية، بوصفه أحد النماذج المضيئة للعالِم الذي جمع بين العلم والعمل، وبين العبادة والتأثير في الناس.

وأوضح فضيلته أن هذه المكانة الرفيعة حظيت بتقدير واسع، حيث قامت الإذاعة المصرية والتلفزيون المصري والقنوات الفضائية بنقل شعائر صلاة الجمعة، في دلالة واضحة على ما يتمتع به هذا العالم الجليل من منزلة علمية ودعوية رفيعة، وما يمثله من قيمة دينية وإنسانية في المجتمع.

ثم انتقل في خطبته ليتحدث عن معنى «العالِم الرباني»، ذلك الإنسان الذي لا يقف عند حدود المعرفة، بل يتحول علمه إلى سلوك، وإلى رحمة وهداية للناس، مستشهدًا بقوله تعالى: «ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون»، موضحًا أن العالم الرباني هو من يربي الناس بالعلم، ويهديهم بالحكمة، ويكون قدوة قبل أن يكون معلمًا.

كما أشار فضيلته إلى فضل العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، تلك الأيام المباركة التي تُعد من أعظم أيام الله، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، داعيًا إلى اغتنامها بالطاعات والذكر والعمل الصالح.

وانتهت الصلاة، لكن المشهد لم ينتهِ في القلب. فقد جلست بعد ذلك في المسجد، لأجد الشيخ والخطيب، وبجوارهما صديقي الأستاذ الدكتور محمود مالك علوان، شيخ السجادة العلوانية، في جلسة بسيطة جمعت الكبار والصغار، شباب وأطفال حي سيدي أبو علوان.

وكان هناك حوار جميل، أسئلة بسيطة عن مضمون الخطبة، وكأنها مراجعة لطيفة لما سمعناه جميعًا، الأطفال يجيبون، والابتسامة لا تفارق الوجوه، وروح الألفة تملأ المكان.

 وما زاد المشهد جمالًا أن الدكتور محمود مالك علوان خادم السجادة العلوانية كان يكافئ من يجيب بإجابات صحيحة بمبالغ بسيطة، في لفتة عفوية تحمل معنى جميلًا من التشجيع والتحفيز وحب الخير.

استمر هذا المشهد لأكثر من ساعة، شارك فيه أكثر من ثلاثين شابًا وطفلًا، إلى جانب الكبار أيضًا، في حالة من التفاعل الصادق؛ حيث اختلطت أصوات الإجابات بملامح الحماس والاهتمام، وامتلأت الجلسة بالابتسامات وروح المشاركة، وتحول المكان إلى مساحة حية للنقاش البسيط والمحبب، يجمع بين التعلم والمرح وروح الألفة، وكأنه درس حي يجمع بين العلم والمتعة في آن واحد.

وفي تلك اللحظات شعرت أن المسجد ليس فقط مكانًا للصلاة، بل هو حياة كاملة، هو علم وتعليم، هو تربية قبل أن يكون كلمات، هو مساحة تجمع الناس على الخير، وتغرس فيهم الفهم والمحبة والوعي، وتعيد ربط القلوب بالله وببعضها البعض.

خرجت من المسجد وأنا أتمنى أن تتكرر هذه المشاهد في كل المساجد؛ أن يعود المسجد كما كان دائمًا منارة للعلم، ومكانًا للذكر، وحلقة وصل بين العبادة والحياة، وأن يظل مساحة للبساطة والرحمة والتربية قبل أي شيء آخر.

مشهد بسيط، لكنه ترك في النفس أثرًا كبيرًا، وذكرني أن الخير حين يُمارَس ببساطة، يصل إلى القلوب مباشرة دون استئذان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى