اغتيال خامنئي.. لحظة كسر أم إعادة تشكيل للمنطقة؟

بقلم / ياسر مطري 

لم يكن الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، مجرد خبر عسكري كبير، بل تطورًا مفصليًا أعاد رسم حدود الصراع في الإقليم، فالضربة التي استهدفته في مكتبه أثناء مباشرته مهامه لم تُنتج حالة ارتباك ظاهر في بنية القرار الإيراني كما كان متوقعًا في بعض الدوائر الغربية، بل دفعت إلى تصعيد سريع ومتعدد الجبهات.

 ولليوم الثاني على التوالي، تواصل إيران إمطار إسرائيل ومناطق خليجية جديدة عن اليوم الأول بوابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة، في رسالة واضحة مفادها أن استهداف رأس النظام لم يُشلّ قدرته على الرد، بل ربما وسّع نطاق المواجهة.

التقدير الذي ساد لدى مقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يقوم على فرضية أن «قطع الرأس» سيخلق صدمة داخلية عميقة تدفع طهران إما إلى الانكفاء أو إلى قبول تسوية بشروط أقل صلابة، غير أن استمرار القصف لليوم الثاني، واتساع نطاقه الجغرافي، يشير إلى أن المؤسسة الإيرانية سعت إلى تحويل لحظة الاغتيال من ضربة تكتيكية إلى معركة تصفها بأنها وجودية، عنوانها أن الرد لن يكون محدودًا أو رمزيًا.

غير أن القراءة الأكثر عمقًا لطبيعة العملية تطرح سؤالًا مختلفًا: هل كان الوصول إلى الرجل نتيجة تفوق تكنولوجي مطلق كما يروج بعض أنصار؟ أم أن العامل الحاسم كان اختراقًا بشريًا من الداخل «الخونة»؟ فمن الصعب تصور أن التكنولوجيا وحدها، مهما بلغت دقتها لدى إسرائيل أو الولايات المتحدة، كانت كافية للوصول إلى هدف بهذا المستوى دون تعاون أو تسريب داخلي.

 فالتاريخ الحديث يثبت أن العمليات النوعية الكبرى غالبًا ما تجمع بين التقنية والمعلومة البشرية، ولو كانت التكنولوجيا وحدها قادرة على كشف كل شيء، لكانت قادرة أيضًا على حل ألغاز ميدانية أكثر تعقيدًا، بما في ذلك مصير الأسرى أو جثامينهم في حرب غزة داخل قطاع غزة، وهو ما لم يتحقق رغم التفوق الاستخباراتي المعلن.

في السياق ذاته، يتسع المشهد ليشمل أحد أخطر الممرات الاستراتيجية في العالم، وهو مضيق هرمز، هذا الشريان البحري الذي يمر عبره جزء معتبر من تجارة الطاقة العالمية عاد إلى واجهة التصعيد، بعد إعلان استهداف سفينة نفط ظهر اليوم قيل إنها لم تستجب للتحذيرات الإيرانية، فمجرد اقتراب العمليات العسكرية من هذا الممر يضع الاقتصاد العالمي أمام معادلة شديدة الحساسية، إذ إن أي اضطراب مستدام في الملاحة سيعني ارتفاعًا فوريًا في أسعار الطاقة، وضغطًا على سلاسل الإمداد، وتوسيعًا لدائرة المتأثرين بالحرب خارج حدود الإقليم.

في السياق الشيعي الاثني عشري، يمثل المرشد مرجعية دينية عليا إلى جانب موقعه السياسي، فاغتياله وهو في العقد التاسع من العمر وأثناء أداء مهامه يمنح الحدث بعدًا تعبويًا يتجاوز الجغرافيا والسياسة، وحين يتحول القائد إلى رمز، تتغير طبيعة الصراع، ويصبح احتواؤه أكثر تعقيدًا، لأن الدوافع لا تعود محكومة فقط بمنطق الردع، بل بعامل الثأر والرمزية التاريخية.

استمرار إيران في استهداف إسرائيل ومناطق خليجية، والتلويح بورقة مضيق هرمز، يضع المنطقة أمام اختبار استنزاف مفتوح، فالحرب لم تعد مجرد تبادل ضربات، بل صراع إرادات طويل النفس تتداخل فيه الأبعاد العقائدية والاستراتيجية والاقتصادية. 

فقدرة طهران على الحفاظ على تماسكها الداخلي، مقابل قدرة واشنطن وحلفائها على احتواء التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ستكون العامل الحاسم في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة.

وحتى اللحظة، لا تشير الوقائع إلى اقتراب تهدئة سريعة، فالمنطقة تقف عند حافة معادلة جديدة قد تعيد تعريف ميزان الردع، لا بين إيران وخصومها فحسب، بل في مجمل النظام الإقليمي، حيث لم يعد السؤال من يملك القدرة على الضربة الأولى، بل من يملك القدرة على تحمّل تداعيات ما بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى