العيد… فرحة تُصنع رغم كل الظروف

بقلم: الدكتورة مروة طرطور 
حين يصبح الفرح اختبارًا.. ووعيًا
هناك لحظة صامتة تسبق العيد، لا تُقاس بالوقت، بل بالإحساس.
لحظة يتوقف فيها الإنسان أمام نفسه، لا ليسأل: ماذا سأرتدي؟ أو إلى أين سأذهب؟ بل ليسأل: هل ما زلت قادرًا على الفرح كما كنت؟ أم أن الفرح نفسه أصبح يحتاج إلى إعادة تعريف؟
في الأزمنة المستقرة، كان العيد يأتي كضيف مألوف، يحمل معه طقوسًا محفوظة: زيارات، ضحكات، وذاكرة مشتركة لا تحتاج إلى تفسير.
أما اليوم، فالعيد يأتي في سياق مختلف، سياق تتزاحم فيه الأسئلة الثقيلة مع محاولات خفيفة للابتهاج. لم يعد الفرح تلقائيًا، بل أصبح قرارًا واعيًا، وأحيانًا مجهودًا نفسيًا.
المشهد الاجتماعي تغيّر، لكن ليس بالمعنى السطحي الذي يُختزل في قلة الزيارات أو تغير أنماط الإنفاق. التغير الأعمق هو في طبيعة الشعور نفسه. العلاقات لم تختفِ، لكنها أصبحت أكثر حذرًا، أكثر اقتصادًا في التعبير. الناس ما زالوا يتواصلون، لكن خلف الكلمات مسافة غير مرئية، صنعتها الضغوط اليومية، والقلق المستمر، والإحساس العام بعدم اليقين.
في هذا المناخ، يتحول العيد إلى مساحة اختبار نفسي، البعض ينجح في إعادة خلق لحظاته الخاصة، ولو في نطاق ضيق.
والبعض الآخر يكتفي بمحاكاة الفرح، يؤدي طقوسه كما لو كانت واجبًا اجتماعيًا، لا تجربة حقيقية. هنا يظهر نوع جديد من الإرهاق: إرهاق الحفاظ على المظاهر، في وقت لم تعد فيه النفس قادرة على دعمها بالكامل.
الأكثر لفتًا للانتباه هو ما يمكن تسميته بـ”الفراغ العاطفي المؤقت”. ليس حزنًا صريحًا، ولا فرحًا مكتملًا، بل حالة وسطية، يقف فيها الإنسان بين الرغبة في الانخراط، والعجز عن الشعور الكامل. هذه الحالة لا تُناقش كثيرًا، لكنها حاضرة بقوة في تفاصيل صغيرة: مكالمة مختصرة بدل زيارة، ابتسامة سريعة بدل ضحكة ممتدة، هدية رمزية بدل مشاركة حقيقية.
أما الأطفال، فهم المؤشر الأكثر دقة. ليس لأنهم يفهمون ما يحدث، بل لأنهم يعكسونه دون وعي. حين يصبح العيد أقل صخبًا في أعينهم، أقل دهشة، فذلك لا يعني أنهم فقدوا البراءة، بل يعني أن البيئة المحيطة أعادت تشكيل توقعاتهم مبكرًا.
لكن، وسط هذا الثقل، يظهر مسار آخر لا يقل أهمية: الوعي بالفرح.
هذا الوعي لا يعني تجاهل الواقع أو إنكار الضغوط، بل يعني إدراك أن الفرح لم يعد رفاهية تلقائية، بل ضرورة نفسية.
الفارق هنا جوهري: الإنسان لم يعد ينتظر أن يأتيه الفرح، بل أصبح يصنعه بقدر ما يستطيع.
فرحة العيد، في هذا السياق، لم تعد مرتبطة بالحجم أو المظاهر، بل بالقدرة على استعادة الإحساس، أن يجلس أفراد الأسرة معًا دون توتر، أن تُقال كلمة طيبة في وقتها، أن يشعر الفرد أنه ما زال جزءًا من شبكة إنسانية، هذه كلها أشكال جديدة للفرح، أقل صخبًا، لكنها أكثر عمقًا.
الوعي بالعيد يعني أيضًا إعادة ترتيب التوقعات. ليس كل عيد يجب أن يكون استثنائيًا، وليس كل احتفال يجب أن يكون مكتملًا.
حين يدرك الإنسان
ذلك، يتحرر من ضغط المقارنة، ويبدأ في التقاط لحظات صغيرة كانت تُهمل سابقًا، هنا يتحول العيد من عبء نفسي إلى فرصة لإعادة التوازن.
بل إن هذا الوعي قد يخلق نوعًا مختلفًا من البهجة، بهجة هادئة، لا تعتمد على الضجيج، بل على الإحساس بالمعنى، وهي بهجة أكثر استقرارًا، لأنها لا تتأثر بسهولة بتقلبات الواقع.
وما يضفي على هذا العام خصوصية إضافية، أن العيد يأتي متزامنًا مع عيد الأم، في لحظة نادرة تلتقي فيها معاني الاحتفال الجماعي بالامتنان الفردي، وكأن الفرح هنا لا يكتمل إلا بالاعتراف الصريح بدور من يصنعون القدرة على الاستمرار في صمت.
حضور الأم في هذا التوقيت لا يبدو مجرد مصادفة زمنية، بل تذكير مباشر بأن مصدر الطمأنينة الأول ما زال قائمًا، مهما تبدلت الظروف.
اللافت أن المجتمعات، حتى في أشد لحظاتها صعوبة، لا تتخلى عن العيد، قد تغيّر شكله، تخفف صخبه، تعيد ترتيب أولوياته، لكنها لا تلغيه، وكأن هناك وعيًا جمعيًا غير معلن بأن التخلي عن العيد هو التخلي عن جزء من القدرة على الاستمرار.
في النهاية، العيد لم يعد مجرد مناسبة، بل أصبح مرآة دقيقة للحالة النفسية والاجتماعية، كلما ثقل الواقع، أصبح العيد أكثر صدقًا، لأنه يكشف ما نحاول إخفاءه طوال العام.
لكن في المقابل، كلما زاد الوعي، أصبح العيد أكثر قدرة على منح الفرح، حتى في حدوده الدنيا.
ليس السؤال إذن: كيف نحتفل؟
بل: هل نعي كيف نصنع فرحتنا.. رغم كل شيء؟




