الكتابةحين يصبح الصمت أغلى من كلمة

دكتوره  مروة طرطور

هناك خلافات تبدأ من شيء صغير جدًا، كلمة قيلت في لحظة غضب، أو موقف فُهم بطريقة خاطئة، أو تصرف لم يكن مقصودًا منه الإساءة، ثم تمر الساعات والأيام ويتحول الأمر من مجرد موقف عابر إلى مساحة واسعة من الصمت، ليس لأن المشكلة كانت تستحق كل هذا، وإنما لأن كلمة واحدة كان يمكن أن تنهي كل شيء ولم يقلها أحد.

في حياتنا اليومية نخطئ كثيرًا، نغضب، نتسرع، نسيء التقدير، وقد نقول أحيانًا كلامًا لا يشبه ما نشعر به فعلًا، ثم نكتشف بعد أن تهدأ نفوسنا أن الطرف الآخر لم يكن يستحق ما قلناه أو ما فعلناه، لكن المشكلة تبدأ عندما نعرف أننا أخطأنا ثم نبحث عن مبررات تجعلنا أبرياء، ونحاول إقناع أنفسنا بأن الاعتذار سيضعف موقفنا أمام من أخطأنا في حقه.

وربما لا يكون الاعتذار صعبًا في ذاته، وإنما الصعب هو أن يتراجع الإنسان خطوة عن الصورة التي رسمها لنفسه، فهناك من يعتقد أن الاعتذار يعني أنه خسر، وأن الاعتراف بالخطأ يمنح الطرف الآخر انتصارًا لا يستحقه، وهناك من يخشى أن يعتذر حتى لا يعتاد الآخرون منه التراجع، فيتحول الخلاف البسيط إلى معركة كرامة، مع أن الكرامة الحقيقية لا تحتاج إلى عناد.

المؤلم أن بعض العلاقات لا تنتهي بسبب الأخطاء الكبيرة، وإنما بسبب أخطاء صغيرة لم تجد من يملك الشجاعة ليعالجها في وقتها، كلمة قاسية كان يمكن أن تتبعها كلمة أهدأ، موقف مؤلم كان يمكن تفسيره، سوء فهم كان يمكن أن ينتهي بحوار قصير، لكن كل طرف انتظر أن يبدأ الآخر، ومع مرور الوقت أصبح الانتظار عادة، وأصبح الصمت أقوى من الرغبة في الإصلاح.

داخل الأسرة تحديدًا تبدو المسألة أكثر وضوحًا، فقد يختلف الأب مع ابنه، أو الأم مع ابنتها، أو الزوج مع زوجته، أو الإخوة فيما بينهم، وتكون المشكلة في بدايتها بسيطة ويمكن تجاوزها بسهولة، لكن دخول الكبرياء على الخط يجعل كل طرف يتعامل مع الاعتذار وكأنه تنازل عن حقه، بينما الحقيقة أن الأسرة لا تحتاج إلى منتصر ومهزوم، وإنما تحتاج إلى شخص يقرر أن يضع العلاقة فوق الخلاف.

والأمر نفسه يحدث بين الأصدقاء، فالصداقة التي استغرقت سنوات طويلة في بنائها قد تهتز بسبب موقف واحد، ليس لأن الموقف أقوى من العلاقة، ولكن لأن أحد الطرفين انتظر اعتذارًا لم يصل، والآخر انتظر مبادرة لم تحدث، ثم أصبحت الأيام حائلًا بينهما، وكلما طال الصمت أصبح الرجوع أكثر صعوبة، حتى يصل الطرفان إلى مرحلة يتساءلان فيها كيف أصبح شخص كان قريبًا جدًا بعيدًا إلى هذه الدرجة.

د

وفي العمل أيضًا، لا يكون الاعتراف بالخطأ دليلًا على ضعف الموظف أو المدير، بل قد يكون علامة على قدر كبير من المسؤولية، فحين يخطئ الإنسان في قرار أو إجراء أو تعامل، فإن محاولة إخفاء الخطأ أو تحميله لشخص آخر لا تحل المشكلة، وإنما تؤجل ظهورها وتزيد من آثارها، بينما الاعتراف المبكر يمنح الجميع فرصة للتصحيح قبل أن يتحول الخطأ إلى أزمة أكبر.

لكن الاعتذار الحقيقي لا يتوقف عند كلمة «آسف»، لأن الإنسان يستطيع أن يقولها بسهولة إذا أراد التخلص من موقف محرج، ثم يعود في اليوم التالي إلى السلوك نفسه، ولذلك فإن الاعتذار الصادق يحتاج إلى ثلاثة أشياء واضحة، اعتراف بما حدث، وفهم للأثر الذي تركه التصرف في الطرف الآخر، ومحاولة حقيقية لتغيير السلوك حتى لا يتحول الاعتذار إلى مجرد كلمة تتكرر بعد كل خطأ.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يصبح الاعتذار وسيلة للسيطرة على الآخرين، فليس من النضج أن يطالب الإنسان من حوله بالاعتذار في كل خلاف لمجرد إثبات أنه صاحب اليد العليا، وليس من العدل أن يستخدم أحد كلمة «اعتذر» لإجبار الآخر على قبول الإهانة أو التنازل عن حقوقه، لأن التسامح قيمة عظيمة، لكنه لا يعني أن يسمح الإنسان بتكرار الإساءة بلا حدود.

والأهم أن نعلّم أبناءنا أن القوة ليست في رفع الصوت، ولا في امتلاك الكلمة الأخيرة، ولا في رفض الاعتذار مهما كان الخطأ واضحًا، القوة الحقيقية أن يمتلك الإنسان القدرة على مراجعة نفسه، وأن يعرف أن الاعتراف بالخطأ لا يقلل من قيمته، بل يجعله أكثر احترامًا أمام نفسه قبل الآخرين، لأن الإنسان الذي لا يستطيع مواجهة أخطائه سيظل أسيرًا لها مهما حاول إخفاءها.

كم من أب كان ينتظر كلمة من ابنه، وكم من ابن كان يتمنى أن يسمع اعتذارًا من والده، وكم من زوجين أنهكهما الصمت بينما كان يمكن لجملة واحدة أن تفتح بابًا جديدًا للحوار، وكم من صديقين ابتعدا سنوات بسبب موقف كان يمكن أن ينتهي في دقائق، لكن أحدًا لم يرد أن يكون أول من يمد يده، فخسر الطرفان شيئًا أكبر بكثير من الخلاف.

الحياة أقصر من أن نحول كل خلاف إلى قضية، وأقصر من أن نمنح الكبرياء سلطة أكبر من محبتنا للناس، فهناك مواقف تستحق أن نتمسك فيها بحقوقنا، وهناك مواقف أخرى لا تستحق أن نخسر بسببها إنسانًا عزيزًا، والحكمة ليست أن نعتذر دائمًا أو نتنازل دائمًا، وإنما أن نعرف متى يكون الاعتذار حفاظًا على علاقة تستحق، ومتى يكون الصمت حماية للنفس من علاقة مؤذية.

واقول إن كل الأبواب التي أغلقت لا تحتاج إلى طرق طويل، بعضها يحتاج فقط إلى شجاعة شخص واحد يتجاوز حسابات الانتصار والهزيمة، ويعترف بأن الإنسان مهما كان قويًا ومهما كانت مكانته يظل قابلًا للخطأ، وربما تكون أجمل كلمة يمكن أن تنقذ علاقة من النهاية هي أبسط كلمة في اللغة، «أخطأت»، ثم تأتي بعدها الجملة التي قد تعيد شيئًا من الدفء إلى ما أفسدناه، «وأنا آسف».

فلا تجعلوا كلمة كان يمكن أن تقال اليوم، تتحول غدًا إلى كلمة لا تجد طريقًا إلى أصحابها، لأن بعض الاعتذارات حين تتأخر لا تفقد معناها فقط، وإنما تفقد الشخص الذي كان ينتظرها، وبعض العلاقات حين تنكسر لا يكون من الصعب معرفة سبب سقوطها، فالسبب في أحيان كثيرة لم يكن الخطأ نفسه، وإنما تلك اللحظة التي كان يمكن فيها أن نقول شيئًا بسيطًا، واخترنا بدلًا منه الصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى